حدثنا سيف بن حفص البخاري، قال: حدثنا علي بن إسحاق الحنظلي، قال: سمعت أبا معاوية، يقول:أبو حنيفة كان يصف العدل ويقول به، وبيَّن للناس سبل العلم وطرقه، وشرح لهم معانيه وأوضح لهم مشكلاته، فمن يبلغ في العلم مبلغه، أو من يهتدي فيه مثل ما اهتدى، عظمت منة الله عليه، ومنته علينا، فغفر الله له ذنوبه وشكر سعيه. قال علي بن إسحاق: فذكرت قول أبي معاوية هذا لحماد بن أبي حنيفة. فقال حماد: أبو معاوية منا وإلينا.
حدثنا أبي، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق بن عبد الله، قال: حدثنا علي بن إسحاق بن إبراهيم بن مسلم بن رزين الحنظلي، قال: سمعت حماد بن أبي حنيفة رحمة الله عليهم، يقول:يُسأل أهل القدر، فيقال لهم: أخبرونا عن قول الله عز وجل: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، أليس قد وعدها الله أن يرده إليها، وأن يجعله مرسلاً، ووعده الحق، وخبره الصدق، أفليس كان فرعون يستطيع قتل موسى حتى يخلف الوعد، ويبطل العلم والخبر، وقوله ﴿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ أفليس الذي أخبر الله أنهم لا يؤمنون، وقد كانوا يستطيعون الإيمان الذي أخبر الله أنه لا يكون منهم أبداً، وأخبِرونا عن قول الله عز وجل ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ وأنتم تزعمون أنهم قد شاء أن يؤمنوا، فلا يكفروا وأن يطيعوا فلا يعصوا، وإن قالوا: لو شاء الإيمان، فأي شيء تلك المشيئة التي شاؤوها كانوا مؤمنين، وإن قالوا: لو شاء أجبرهم، فقل: أفليس المجبرين عندكم ليسوا بطائعين ولا عاصين ولا مسيئين ولا مطيعين؟!!
حدثنا أبي، قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله البزاز، قال: حدثنا علي بن إسحاق، قال: سمعت حماد بن أبي حنيفة، يقول:إذا سألك أهل القدر هل كلف الله الناس ما لا يطيقون؟ فقل: وجميع خلقه لا يطيقون إلا أن يعينهم عليه، فإن أعانهم عليه أطاقوا، وإن لم يعنهم عليه لم يطيقوا، قال الله عز وجل ﴿وَاصْبِرْ﴾، فأمره بالصبر، ثم قال: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ وكذلك قال شعيب: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾، وقوله عز وجل: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾، فالناس لا يستطيعون ما كلفوا إلا أن يعاونوا عليه، فإن أعانهم الله عليه أطاقوا، وإن لم يعنهم الله لم يطيقوا، ولا حجة على الله لهم في ذلك، لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ولا ترد عليه المسائل، ولا يقاس بالمخلوق، وإنما تاه أهلُ القدر حين ضربوا لله الأمثال، وقاسوه بالمخلوقين، قالوا: ما يكون في المخلوق من الجور والعدل، فكذلك هو في الله، وليس الأمر كذلك، قد سعى المخلوق في فساد بنيانه إذا شيده وجوّده، ثم خرّبه من غير علة أو فقأ عين ولده أو كسر يده أو رجله أو انتهك حرمته أو صنع ذلك بغير ولده سمي ذلك منه سفهاً وجهلاً وعدواناً، وقد يفعل الله ذلك لخلقه فلا يجور ولا يظلم و﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، ولا يكون ذلك ظلماً بالمخلوقين، ولا يقاس المخلوق بالخالق، وإن قالوا: إنما هذا في الدنيا وليس في الآخرة، فقل: أفليس له الآخرة والدنيا، ففعله هذا في الدنيا منه عدل، فإن فعل في الآخرة لم يكن منه عدلاً، وقل: أفليس مِن خلقه مَن لم يعصه، وقد خرقهم وخوفهم وهدم عليهم بيوتهم، وأصمهم وأعماهم وأحل من البهائم التي لم تعصه ذبحها، وأكل لحمها وتحريقها بالنار، فمن أين صار ذلك عندكم عدلاً؟ ولا يكون ما هو أيسر عندكم عدلاً، وله الآخرة والدنيا وما فيهما، وقد احتج ذلك في الكتاب الذي أنزل إلينا قال فيه بالعدل، وأخبرنا أنه لا نقدر عليه، ولا نستطيع إلا بإذنه، ومعونته، ومشيئته، ومحبته، وذلك قوله عز وجل: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، وقد أمر بالعدل بينهم، وقوله: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾، وقوله: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ فلو كان هذا من الله ليس بعدل، لم يصنعه ولم يسأله رسوله أن يصنع بخلقه، لأن موسى قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ﴾ فلم يكن ليخبرنا بالباطل، ولم يكن الله ليصدق مقالته إلا بحق، ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، قال: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾، فلو لم تكن مسألة موسى عدلاً لم يجبه الله ولم يستجب له لأنه سأله أن يشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا، فأجابه بأن قد فعل، ولو لم يكن ذلك عدلاً لم يفعل، وقد سأله رسله أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هديتهم، ولا يضلهم، ولا يحملهم ما لا طاقة لهم، ولا يكلفهم ما يجهدهم، فلو لم يكن ذلك من الله عدلاً لما سألوه ولعاب عليهم مسألتهم، ولكنه كان ذلك عدلاً منه لو فعله بهم، لأن الهدى والضلالة بيد الله عز وجل فلا يهتدي إلا من هداه الله، ولا يضل إلا من أضله الله، ولو لم يكن ذلك كذلك، لم ينزل به القرآن قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾، فلو لم يكن ذلك إلى الله وفي يده لم يسأله إياه رسله، لأنه لو كان كذلك، كانوا هم أعلم به من غيرهم ولم يكونوا ليسألوا الله ما ليس في يده، وما قد تخلى منه، لأن الذي يسألك شيئاً ما في يدك، وما يعلم أنك أولى به منه جاهل، فإذا كان الأمر في أيدي العباد قد تخلى الله منه، أفليس حاجتهم فيما يسألون الله في أيديهم مما يدخلهم بها الجنة، وينجيهم من النار، فهم يصنعون بأنفسهم من ذلك ما أحبوا، إن شاؤوا أحسنوا إلى أنفسهم، وإن شاؤوا أساؤوا إليها، وإن شاؤوا هدوا أنفسهم، وإن شاؤوا أضلوها، وإن شاؤوا صنعوا بأنفسهم خيراً، وإن شاؤوا صنعوا شراً، الأمر في ذلك إليهم، قد جعل الله ملكه في أيديهم، فإن ضلوا فهم أضلوا أنفسهم، وإن اهتدوا فهم هدوا أنفسهم، وساقوا الخير إلى أنفسهم، وأراد الله بهم الخير، فلم ينفعهم، ولم يهتدوا بما أراد الله من ذلك، ولو أرادوا بأنفسهم ما أراد المهتدون اهتدوا، فهم الآن حين يريدون لأنفسهم الخير أنفع لهم، وأخير لهم من أن يريد الله لهم، لأن الله قد أراده لهم، فلم ينفعهم، ولو أرادوا لأنفسهم لنفعهم وكانوا من أهله، ولأنه إن يرد بنفسه الخير خير له من أن يريده الله به، لأنه إذا أراده لنفسه كان من أهله، وإذا أراده الله به لم يكن من أهله حتى يكون هو المريد لذلك، فهم الذين صنعوا بأنفسهم كل خير يثيب عليه الجنة، وينجي به من النار، ولم يصنع الله بهم شيئاً قط يثيب عليه الجنة، ولا ينجي به من النار، فالذي يصنع بنفسه أنفع لنفسه من ربه به لأنهم لأنفسهم أنفع من ربهم لهم، وهم أحسن إليها صنعاً.
حدثنا أبي قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله أبو إبراهيم، قال: حدثنا علي بن إسحاق، قال: سمعت حماد بن أبي حنيفة رحمة الله عليهما، يقول:إذا سألك سائل عن الإيمان أمقبول هو أم لا؟ فقل: إن المقبول على وجهين: إن كانت إنما تسأل عن قول الله إن سماهم به مؤمنين وبرّأهم به من الكفر، وكتبهم به مؤمنين مطيعين وبرّأهم من المعصية فيه، فقد قبله على هذا الوجه، و[إن] كانت إنما تسأله هل قبله قبول الثواب، وأوجب لصاحبه به الجنة، فإن ذلك عندنا على وجهين ما لم يعص الله فإيمانه مقبول، وهو من أهل الجنة، ومن عصى الله وهو مؤمن فمقبول إيمانه قبول الطاعة والتسمية، فأما قبول المغفرة والثواب فإن ذلك عندنا مغيّب نرجو لأهله المغفرة ونخاف عليهم فيه العقاب وهو على ذلك، وإن عذبوا فلإيمانهم ثواب، ومنفعة التخفيف من العذاب، وأن لا يعذبوا بعذاب الكافرين وأن يخرجوا من النار بعفو الله وشفاعة محمد ﷺ فيدخل الجنة، فللإيمان على كل حال منفعة وثواب.