حدثنا أحمد بن أبي صالح البلخي، قال: سمعت يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، يقول: حدثني عمرو بن محمد الأزدي، قال: حدثنا الأصمعي، قال:قلت لأبي يوسف ـ وذكرنا الأماني ـ: لقد بلغ الله بك، فهل تمنيت قط أكثر مما أنت فيه؟ قال: نعم تمنيت أن لي جمال ابن أبي ليلى، وزهد مسعر بن كدام، وفقه أبي حنيفة، قال: فذكرت ذلك لأمير المؤمنين الرشيد، فقال: ما تمنى أبو يوسف أكبر من الخلافة.
حدثنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا النضر بن محمد أبو بكر السيّاري، قال: سمعت بشر بن يحيى، قال: سمعت ابن أبي نجبة، قال:حج هارون الرشيد وكان زميله أبو يوسف، فلما قدما المدينة قال الرشيد لأبي يوسف: نحتاج إلى أن نطوف غداً على هذه المشاهد والوقائع التي كانت للنبي ﷺ، فدعا أبو يوسف الواقدي بالليل، فدار معه على تلك المشاهد والوقائع، فلما أصبح أمير المؤمنين دعا بأبي يوسف فركبا، وركب فقهاء المدينة معهما، فكان أبو يوسف يقول للرشيد: يا أمير المؤمنين! هذا موضع كذا، ويسمى كذا، الذي أنزل فيه على النبي ﷺ كذا وكذا، وهذا موضع عمل فيه النبي ﷺ كذا وكذا، وهذا موضع قاتل فيه النبي ﷺ كذا وكذا، قال الواقدي: وكنت أتعجب منه ومن حفظه تلك المشاهد ومن صفاقة وجهه أخذ مني بالليل وروّج بالنّهار.
حدثنا أحمد بن علي بن سلمان، قال: حدثنا سعد بن معاذ، قال: سمعت عيسى بن أبان، يقول:لما قدم هارون أمير المؤمنين الري غضب على رجل من بني تغلب من النصارى، فجرّد بين يده وضرب، ثم التفت هارون إلى محمد بن الحسن واللؤلؤي ومن كان عنده من الفقهاء من أهل العراق، فقال: لقد هممت أن أنبذ إليهم عهدهم، وأقاتلهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فقال محمد ومن حضره: إنه ليس لك ذاك، قال هارون: ولم؟ قال: لأن عمر صالحهم على ذلك، فليس لأحد أن ينقض صلحه، فقال هارون: إن ذلك صلح ضرورة ولولا حال الضرورة لم يكن يفعل ذلك، فقالوا: صدقت ولكن عمر لم يمت حتى قوي وأظهر الله الإسلام، وفتح الفتوح ولم ينقض صلحهم، وتركهم على ذلك، ثم قام بعد عمر عثمان، ففتح الفتوح، وكان في قوة ومنعة، فلم ينقض عثمان ذلك وتركهم على ذلك، ثم قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان في قوة ومنعة فلم ينقض الصلح، وتركهم على ذلك، فعلمنا أن الذي فعله عمر حق إذ لم ينقضه أحد من الخلفاء الهادية المهدية [بعده] وكانوا في قوة وأقروهم على ذلك، قال: فسكت هارون، وتركهم.
حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: سمعت يحيى بن آدم، يقول:قيل لهارون الرشيد: ـ وكان فقيهاً عالماً ـ أنك رفعت أبا يوسف فوق المقدار، وأنزلته المنزلة الجليلة الرفيعة: فبأي وجه نال ذلك منك، قال: عن معرفة مني به فعلت ذلك وعن تجربة، والله ما امتحنته في باب من أبواب العلم إلا وجدته كاملاً فيه، لقد كان يختلف معنا في الحديث فكنا نكتب ولا يكتب، فإذا قمنا من المجلس انضم إليه أصحاب الحديث، فصححوا كتبهم عن حفظه، ولقد بلغ في الفقه غاية لم يبلغها أحد، يصغر عنده أجل الناس، ويذل عنده أفقه الناس، يقعد للناس وليس معه كتاب ولا شيء، درسه بالليل مع شغله في أعمالنا، فيقول: ما تريدون؟ فيقولون: في باب كذا وكذا، فيندفع فيه فيجيء في بداهته بشيء يعجز عنه علماء زمانه، ومع ذلك استقامة في المذهب ومتانة في الدين هاتوا لي مثله.